حسن الأمين
113
مستدركات أعيان الشيعة
هذه ، أنه لا يراعي فيها ثبات الأساس الذي يقوم عليه التقسيم ، فمثلا يجعل البلاد المعتدلة قسما ، والمواضع التي تكثر فيها الحرب قسما آخر ، كأنما الحرب لا يجوز لها أن تكثر في البلاد المعتدلة ، وكذلك يجعل البلاد الحارة قسما ، والبلاد ذوات الأنهار الكبيرة قسما آخر ، كأنما الأنهار الكبيرة لا يجوز أن تجري في البلاد الحارة ، وهكذا - لكننا معنيون أولا وقبل كل شيء بعرض علم جابر وفلسفته عرضا يقدم للقارئ صورة الواقع كما وقع . علم الكيمياء جابر العلم : جبر الشيء يجبره فهو جابره ، إذا أعاد تنظيم الشيء وأصلح فاسدة وقوم بناءه ، ولقد قيل أن جابر سمى باسمه هذا ، لأنه هو الذي أعاد تنظيم العلم الطبيعي وأعاد بناءه على نحو ما كان عليه عند أرسطو ، قبل أن يصيبه الفساد بامتزاجه بالسحر في العصور الوسطى . كان أرسطو أول من دعا في إصرار إلى أن تكون المشاهدة والتجربة أساس علمنا بالطبيعة ، وذهب الزمن بالمعلم الأول ، وبقيت بعده آثاره وذكراه ، فلقي من العصور الوسطى إجلالا هو به جدير ، لكن عوامل كثيرة فعلت في عقول الناس فعلها ، حتى لقد تنوسي اللباب الذي من أجله كان شيخ الفلاسفة الأقدمين حقيقا بالتقدير والتوقير ، وبقيت القشور دون لبابها تحظى بالنصيب الأوفر من إجلال الناس لمعلمهم الأول ، فنشأت أرسطية مزيفة سلطت على العقول ، وبعد أن كانت الفلسفة الأرسطية في روحها الحقيقية حافزا إلى العلم الصحيح ، أصبحت بديلتها الزائفة حائلا دون الوصول إلى ذلك العلم الصحيح ، وقيدا يقيد أصحاب الفكر فلا يخلي بينهم وبين الحركة الطليقة الحرة - ولبثت الحال على هذا النحو في أوروبا حتى قامت النهضة في القرن السادس عشر . كان أرسطو - ومعه آخرون من فلاسفة اليونان الأقدمين - لا يأخذ بالرأي القائل أن الطبيعة تنحل إلى وحدات صغيرة هي الذرات ، وهو الرأي الذي كان قد ذهب إليه ديمقراطيس وأتباعه ، إذ كان الرأي عند أرسطو في ذلك هو أن المادة الأولية ويطلق عليها اسم الهيولى - قد اكتسبت صورا أربعا ، هي الكيفيات الأربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، فنشأ عن ذلك أربعة أجسام بسيطة ، هي النار والهواء والماء والتراب ، ومن هذه تتالف سائر الأشياء ، وإنما نشات الأجسام الأربعة البسيطة بالتقاء الكيفيات الأربع الأولى اثنتين اثنتين : فالنار حرارة ويبوسة ، والهواء حرارة ورطوبة - إذ الهواء ضرب من بخار الماء - والماء برودة ورطوبة ، والتراب برودة ويبوسة ( 1 ) ، على أن الأجسام المركبة في الطبيعة تتالف من الأجسام البسيطة مجتمعة دائما ، فما من شيء إلا وفيه النار والهواء والماء والتراب بدرجات ، فهي كلها على درجة من الحرارة معينة ، ويتغلغل فيها الهواء ، وهي كلها أيضا مشتملة على ماء وهو الذي يجعلها قابلة للتشكيل ، ثم هي كلها مشتملة على أرض ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فما دام كل شيء قابلا للصيرورة والتحول ، فإنه لا بد أن يكون مشتملا على أضداد ، لأنه لو كان - فرضا - مؤلفا من حرارة مطلقة فقط ، لما كان هنالك سبيل إلى تحوله إلى ما ليس بحرارة ، إذ من أين يأتيه ما ليس فيه ؟ فوجود النار - وهي حرارة ويبوسة - يقتضي بالضرورة وجود ضدها وهو الماء - لأنه برودة ورطوبة - كما أن وجود الأرض - وهي برودة ويبوسة - يقتضي بالضرورة وجود ضدها وهو الهواء - لأنه حرارة ورطوبة ، فحسبك أن تقول عن شيء أن فيه أرضا وماء ، لتقول ضمنا أن فيه كذلك الضدين الآخرين ، وهما الهواء والنار ، ما دمت تعترف لذلك الشيء بإمكان التحول والتغير ، ومن هنا لزم أن نقول عن كل جسم مركب أنه يشتمل على كل الأجسام البسيطة في آن معا ( 2 ) . فلما انتقل مركز العلم إلى الإسكندرية بعد أفول نجمه في اليونان ، امتزج العلم النظري بالروح التصوفية السائدة هناك ، فكان أن امتزجت الكيمياء بالسحر امتزاجا عاق تقدمها - في أوروبا - أبان العصور الوسطى ، لكن ظهور الإسلام في الشرق الأوسط ، وغزو العرب لمصر وسوريا وفارس ، قد غير من الموقف ، إذ : « نفض المسلمون الأولون عن أنفسهم كثيرا من الألغاز الصبياني الذي كانت مدرسة الإسكندرية قد أدخلته على العلم ، وقاموا بتنقية الجو العقلي - لفترة من الزمن - فكانوا باحثين عن المعرفة يشتعلون حماسة وجدا . . . فترجمت كتب لا عدد لها من اليونانية ، وخصوصا في حكم هارون الرشيد ( 786 - 809 ) والمأمون ( 813 - [ 33 ] 833 ) وظهرت الكيمياء بنصيبنا من العناية في غمرة هذه الحماسة الشاملة للعلوم . . . على أن جابر بن حيان هو الجدير بان يعد أول من يستحق لقب الكيمياوي . « كانت فلسفة جابر - شانه شان جميع المسلمين - أرسطية معدلة ، ونظريته في تكوين المادة هي نفسها - في جوانبها الهامة كلها - نظرية أرسطو ، ولم تكن عبقرية جابر ترضى له بالاستسلام للتأمل العقيم المنقطع الصلة بالواقع المشاهد ، فأثر - كما آثر كثيرون من المسلمين الذين جاؤوا بعده - العمل على شطح الخيال ، فجاءت آراؤه - على وجه الإجمال - واضحة ودقيقة ، والإضافات التي أضافها إلى الكيمياء هي التي سوغت بحق - لقيمتها - أن ينعت باسم » جابر « لأنه هو الذي » جبر « العلم - أي أعاد تنظيمه - وأقامه على أساس ثابت » ( 3 ) . الوجود بالقوة والوجود بالفعل : الوجود بالقوة والوجود بالفعل فكرتان ترتدان إلى أرسطو : وذلك أن أرسطو إذ رد الوجود والموجودات إلى مبدأين أساسيين هما : الهيولى والصورة ، أي المادة التي منها يصنع الشيء والشكل الوظيفي الذي تكتسبه المادة لتصبح ذلك الشيء ، فقد تصور المادة الأولية مستعدة أن تكون أي شيء ، فهي تتلقى الصورة التي تنطبع بها لتتعين بفضل تلك الصورة شيئا فعليا معينا ، كقطعة الخشب غير المصنوع فيها استعداد أن تكون منضدة أو مقعدا ، حسب الصورة التي يخلعها عليها النجار ، وإذن فقطعة الخشب فيها منضدة « بالقوة » وفيها مقعد « بالقوة » ، لكنها تصبح منضدة « بالفعل » أو
--> ( 1 ) كتاب الكون والفساد لأرسطو ، 330 ب - ويلاحظ أن جابر بن حيان قد أخذ عن أرسطو رأيه هذا ، كما أوضحنا بالتفصيل في الفصل الخامس ، وفي غيره من الفصول السابقة . ( 2 ) المرجع السابق ، 334 ( ب ) ، 335 ( أ ) . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 16 .